أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

مقدمة 9

العمدة في صناعة الشعر ونقده

رحلة في كتاب وكتاب في رحلة * * * أول معرفتي بالكتاب : - كنت في حداثتى أروم قراءة كتب الأدب وبخاصة القصص والروايات ، وكان شراء هذه الروايات يثقل كاهلي الذي لم يكن يستطيع أن يحمل شيئا على الإطلاق ، فقد كانت الحياة جافة ، والنواحي المادية معدومة أو شبه معدومة ، وكان الذي يساعدني في تلبية حاجاتى في القراءة أنه كان هناك رجل كتبي في مدينة منوف نشترى منه الكتب والمجلات القديمة لنقرأها ثمّ نعيدها إليه بنصف الثمن . وفي يوم وجدت أحد زملائى ( عبد الغنى . ج ) يعرض علىّ مجموعة كبيرة من روايات وقصص يوسف السباعى ، فاشتريتها منه بثمن زهيد جدا بحسابات اليوم ، ولكنه كان مضنيا في ذلك الزمان ، فقد اشتريت منه عشرة كتب بخمسين قرشا ! ! - ولما وجدت أنني لا أستطيع متابعة الشراء توجهت إلى مكتبة المعهد الديني بمنوف - وكنت طالبا فيه - ظنا منى أنني سأجد فيها من القصص والروايات الشئ الكثير ، وكان منظر المكتبة يغرى بالدخول والتفتيش في محتوياتها ، ولكنني صدمت عندما وجدتنى أقرأ أسماء كتب لم أسمع عنها شيئا ، ولا أعرف عن محتوياتها شيئا ، فأحسست أن الأرض تميد بي ، لا لجهلى بهذه الكتب وما فيها ، ولكن لأن ما كنت أمنّى به نفسي من توفير ثمن الروايات التي أشتريها قد ذهب أدراج الرياح ، وفي لحظة الضياع وفقد التوازن النفسي هذه وقعت عيني على كلمة ( العمدة ) مكتوبة على تجليدة الكتاب بماء الذهب ، فظننت - وهنا بعض الظن جهل - أن الكتاب رواية تدور أحداثها في الريف فطلبت من أمين المكتبة أن يعيرني هذا الكتاب ، فقال لي بالحرف : يظهر إن المسألة أصبحت لعب عيال ! ! فسألته : لما ذا ؟ قال : هذه الكتب لا تخرج إلا للمشايخ أو بضمان من أحدهم ، وهنا توجهت إلى الشيخ محمود أحمد هاشم - رحمه اللّه - ورجوته أن يضمننى في استعارة الكتاب ، فلم يمتنع ، ولم يعترض ، وذهب إلى أمين المكتبة - وكان في الأصل عاملا ولكنهم وضعوه في المكتبة لأنه يقرأ ويكتب - وكتب المطلوب منه في مثل هذه الحالة ، وأوصى الرجل بي . أخذت الكتاب وذهبت إلى بيتي في قرية الحامول منوفية ، واختفيت عن العيون ؛ لأقرأ هذا الكتاب الذي ظننته رواية بعنوان ( العمدة ) ، وكم كانت صدمتى أشد من صدمتى عندما دخلت المكتبة ولم أر فيها كتابا أعرفه ، فقد فتحت الكتاب وقلبت الصفحات دون أن أعرف إلا الشئ اليسير الذي يناسب طالبا في السنة الأولى الثانوية بالأزهر .